مرتضى الزبيدي

41

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

القلوب والأبدان تنقطع بالموت ، ومعرفته وحريته لا ينعدمان بالموت بل يبقيان كمالا فيه ووسيلة إلى القرب من اللّه تعالى . فانظر كيف انقلب الجاهلون وانكبوا على وجوههم انكباب العميان فأقبلوا على طلب كمال القدرة بالجاه والمال وهو الكمال الذي لا يسلم وإن سلم فلا بقاء له ، وأعرضوا عن كمال الحرية والعلم الذي إذا حصل كان أبديا لا انقطاع له ، وهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا جرم لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ، وهم الذين لم يفهموا قوله تعالى : الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا [ الكهف : 46 ] فالعلم والحرية هي الباقيات الصالحات التي تبقى كمالا في النفس ، والمال والجاه هو الذي ينقضي على القرب وهو كما مثله اللّه تعالى حيث قال : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ [ يونس : 24 ] الآية . وقال تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلى قوله : فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ [ الكهف : 45 ] وكل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا ، وكل ما لا يقطعه الموت فهو الباقيات الصالحات . فقد عرفت بهذا أن كمال القدرة بالمال والجاه كمال ظني